الشيخ عبد الله الحسن
52
مناظرات في العقائد والأحكام
فقلت : ما شأنك ؟ فقلت : إني هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلت لعلي ( عليه السلام ) : ليس لي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي ! فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي ، وهو غضبان محمر الوجه ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان ، فرجعت نادمة ساخطة ! قالت عائشة : نعم أذكر ذلك . قالت : وأذكرك أيضا ، كنت أنا وأنت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأنت تغسلين رأسه ، وأنا أحيس له حيسا ، وكان الحيس ( 1 ) يعجبه ، فرفع رأسه ، وقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأذنب ( 2 ) ، تنبحها كلاب الحوأب ( 3 ) ، فتكون
--> ( 1 ) الحيس : تمر يخلط بسمن وأقط ، فيعجن ويدلك حتى تمتزج ثم يندر نواه . ( 2 ) أو الأدبب ، وهو كثير الشعر . ( 3 ) الحوأب : موضع في طريق البصرة محاذي البقرة ، وهو من مياه أبي بكر بن كلاب ، وقال نصر : الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة ، وقيل : سمي الحوأب بالحوأب بنت كلب بن وبرة ، وقال أبو منصور : الحوأب موضع بئر نبحت كلابه عائشة عند مقبلها إلى البصرة . وروى أبو مخنف بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال يوما لنسائه ، وهن عنده جميعا : ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة ، كلهم في النار ، وتنجو بعد ما كادت ! وروى محمد بن إسحاق ، عن حبيب بن عمير ، قالوا جميعا : لما خرجت عائشة وطلحة والزبير من مكة إلى البصرة ، طرقت ماء الحوأب ، وهو ماء لبني عامر بن صعصعة ، فنبحتهم الكلاب ، فنفرت صعاب إبلهم ، فقال قائل منهم : لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها ! فلما سمعت عائشة ذكر الحوأب قالت : أهذا ماء الحوأب ؟ قالوا : نعم ، فقالت : ردوني ردوني ! فسألوها ما شأنها ؟ ما بدا لها ؟ فقالت : إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : كأني بكلاب ماء يدعى الحوأب ، قد نبحت بعض نسائي ، ثم قال لي : إياك يا حميراء أن تكونيها ! فقال لها الزبير : مهلا يرحمك الله ، فإنا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة ، فقالت : أعندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة ليست على ماء الحوأب ؟ فلفق لها الزبير وطلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا ، فحلفوا لها ، وشهدوا أن هذا الماء ليس بماء الحوأب ، فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام . راجع : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 9 ص 310 - 311 ، وج 6 ص 225 ، سير أعلام النبلاء : ج 2 ص 177 ، تاريخ الطبري : ج 4 ص 457 ، الكامل في التاريخ : ج 3 ص 210 ، معجم البلدان للحموي : ج 2 ص 314 .